المجلس الإسلامي للإفتاء-الداخل الفلسطيني 48
الرئيسية
بنك الفتاوى
الأسئلة والأجوبة
سؤال جديد
من نحن
اتصل بنا
ابحث في بنك الفتاوى
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ أربعٌ لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأتَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ "
الأقسام
حديث اليوم
قال محمد بن واسع : « طيب المكاسب ذكاء للأبدان ، فرحم الله من أكل طيبا ، وأطعم طيبا »
فتوى اليوم
حكمة اليوم
عن أبى بردة قال سمعت الأغر وكان من أصحاب النبى -صلى الله عليه وسلم- يحدث ابن عمر قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « يا أيها الناس توبوا إلى الله فإنى أتوب فى اليوم إليه مائة مرة ».رواه مسلم
حكمة اليوم
فيسبوك
تويتر
من يتحمل مسؤولية النّفوس التّي أُزهِقَت في منى أثناء رجم جمار يوم النفر قبل أعوام ؟!!
تاريخ: 8/6/22
عدد المشاهدات: 253
رقم الفتوى: 1330

من يتحمل مسؤولية النّفوس التّي أُزهِقَت  في منى أثناء رجم جمار يوم النفر قبل أعوام ؟!!

لطالما كنّا نسمع ونرى وفي كلّ عام عن قتلى وجرحى في منى يوم النّفر الأول في اليوم الثّاني من أيام التشريق حتى أصبح هذا مشهدًا متكررًا بل ولا  نبالغ إن قلنا بات من الغريب ألاّ يقع مثل هذا المشهد المؤلم والمحزن !!
وسبب هذه الكوارث المتكررة  هو شدة الإزدحام يوم النّفر الأول من منى اضافةً لضيق المكان قبل التوسعات الحالية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وهي الأهم وأقولها بكل أسف عدم التأصيل والعمق الفقهي  في المسألة !!!
ذلك أنّ  الفتوى المشهورة التي يتناقلها الناس بعموميتها دون عمق ولا تفصيل ولا تأصيل  والتي رسخت في أذهان العوام بل وطلبة العلم أنه إذا غربت الشمس في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة والحاج ما زال في منى  لزمه المبيت ليلة الثالث عشر ولذا كان المعظم يحرص  على الخروج من حدود منى قبل غروب الشّمس في اليوم الثّاني عشر وهنا كانت تقع الكوارث المتكررة.

هذا وبعد التحقيق والتمحيص في المسألة وجدنا أنّ الأمر أوسع ممّا نتصور وقد ضيقنا بجهلنا وتقصيرنا بابًا واسعًا ؛ وإليك  رخص المذاهب الفقهية المعتبرة في المسألة .

أولا : رخصة المذهب المالكي:
قال المالكية: إذا غربت الشمس على غير المكيّ وهو في منى في اليوم الثاني عشر  من  ذي الحجة ونوى قبل الغروب الخروج من منى فلا يلزمه المبيت بمنى ليلة اليوم الثالث عشر وجاز له الخروج ولو بعد غروب الشمس .
  ثانيا: رخصة الحنفية:
 أجاز الحنفية النفر من منى بعد غروب شمس اليوم الثاني عشر ولو لم ينو الحاجّ ذلك قبل الغروب  دون فرق بين مكيّ وغيره بل أجازوا له الرجم بعد غروب شمس اليوم الثاني عشر ولكن صرّح ابن عابدين بالكراهة في الحاشية علمًا أنّ عددًا من كتبهم المعتمدة لم تذكر الكراهة وسيأتي تفصيل ذلك ولا يخفى ما في هذا القول من سعة ورخصة عظيمة وحل لمشكلة الإزدحام عند الرجم يوم النفر.
 
جاء في الشرح الصغير وهو من كتب المالكية المعتمدة : "(وَلَوْ غَرَبَتْ) الشَّمْسُ مِنْ الثَّانِي (وَهُوَ بِمِنًى لَزِمَهُ) الْمَبِيتُ بِهَا، (وَرَمْيُ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) "
 
جاء في حاشية الصّاوي: " قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ التَّعْجِيلِ أَنْ يُجَاوِزَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، فَإِنْ لم  يُجَاوِزْهَا إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمْيُ الثَّالِثِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - نَقْلًا عَنْ كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ - مَا ذُكِرَ مِنْ شَرْطِ التَّعْجِيلِ، إنْ كَانَ الْمُتَعَجِّلُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ مِنْ مِنًى قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الثَّانِي " . ( حاشية الصاوي ، 2 / 65 )
 
وجاء في حاشية الدسوقي وهو من كتب المالكية المعتمدة أيضًا  ( 2 / 49 ) :
" وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِوُجُوبِ بَيَاتِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَعَدَمِ وُجُوبِ بَيَاتِهَا قَصْدُ التَّعْجِيلِ وَعَدَمُ قَصْدِهِ فَإِنْ قَصَدَ التَّعْجِيلَ فَلَا يَلْزَمُهُ بَيَاتٌ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّعْجِيلَ لَزِمَهُ الْبَيَاتُ بِهَا وَيَلْزَمُهُ الدَّمُ إنْ تَرَكَ الْبَيَاتَ جُلَّ لَيْلَةٍ "
 
جاء في اللّباب شرح الكتاب وهو من كتب الحنفية المعتمدة : " فإذا كان من الغد وهو الثالث من أيام النحر رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس أيضًا  مثل الرّمي في اليوم الثاني فإذا أراد أن يتعجل النفر في اليوم الثالث نفر إلى مكة قبل طلوع فجر الرابع، لا بعده، لدخول وقت الرمي "  ( اللّباب شرح الكتاب ، 1 / 193 )
 
وجاء في مجمع الأنهر وهو من كتب الحنفية المعتمدة ( 1 / 281 - 282 ) : " .... وَلَهُ أَيْ لِلْحَاجِّ  النَّفْرُ - أي من منى -  قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ  لَا بَعْدَهُ أَيْ لَيْسَ لَهُ النَّفْرُ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ حَتَّى يَرْمِيَ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ  وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ بِمِنًى فَرَمَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ أَحَبُّ أَيْ الْمُكْثُ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَكَثَ فِيهِ حَتَّى رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ " .
 
وجاء في البناية شرح الهداية وهو من كتب الحنفية المعتمدة ( 4 / 257 ) : " وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق فإذا طلع الفجر من اليوم الرابع لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي فلا ينفر حتى يرمي " .
 
ولكن ابن عابدين في الحاشية كره الخروج من منى بعد غروب شمس اليوم الثاني عشر ولم تذكر كثير من  كتبهم المعتمدة  الكراهة كاللباب شرح الكتاب والبناية شرح الهداية ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر وقد سبق ذكر النصوص ولكن أحببت ذكر ما جاء في حاشية ابن عابدين من باب الأمانة العلمية.
 
جاء في  حاشية  ابن عابدين: " وَلَهُ النَّفْرُ  قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ الرَّابِعِ  وَلَكِنْ يَنْفِرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَيْ شَمْسِ الثَّالِثِ، فَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ حَتَّى يَرْمِيَ فِي الرَّابِعِ، وَلَوْ نَفَرَ مِنْ اللَّيْلِ قَبْلَ الرَّابِعِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَسَاءَ، وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ نَفَرَ لَزِمَهُ دَمٌ، وَلَوْ نَفَرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ الرَّمْيِ لَزِمَهُ الدَّمُ اتِّفَاقًا لُبَابٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَالْآفَاقِيِّ " ( حاشية ابن عابدين، 2 / 522 ) .
 
قلت : أتعجبُ  كيف كانت تقع الكوارث في منى كلّ عام وذلك   -  قبل إجراء التّوسعات عند الجمرات  وبناء الجسور - حيث كان في كلّ عام يموت  ما يزيد على مائتي حاج بسبب شدة الإزدحام والتّصادم بين الحجّاج لأنّ غالبية  الحجّاج يتعجلون في اليوم الثاني عشر ومعظمهم يحرص على أن يرجم بعد الزّوال ويحذر أن تغرب عليه الشمس وهو ما زال في منى كي لا يُلزم بمبيت ليلة الثّالث عشر ممّا كان يؤدّي إلى إزدحام شديد عند الجمرات ويترتب على ذلك وفيات بالمئات  .
أقول مجددًا أتعجب من وقوع هذه الكوارث سابقًا وهذه الرّخص الفقهية تقدّم لنا هذه الحلول  والمنافذ والمخارج للتوسعة على النّاس ورفع الحرج  ودفع الأذى عنهم.
حيث كان بالإمكان إرشاد النّاس بالأخذ برخصة الحنفية والمالكية بخصوص النفر  من منى في اليوم الثّاني عشر إلى ما قبل فجر اليوم الثالث عشر  وكذلك الإرشاد برخصة الحنفية بجواز الرجم في اليوم الثاني عشر ولو بعد الغروب .

وبذلك نكون قد وسعنا وقت الرّجم في اليوم الثاني عشر من الزوال إلى ما قبل فجر اليوم الثالث عشر بدلا من أن نحصر أكثر من ثلاثة  مليون شخص  في بقعة واحدة ووقت محصور من الزوال إلى ما قبل الغروب .
فليت الفقهاء والعلماء يرشدون النّاس باتباع  قول الحنفية   في هذه المسألة بجواز  الرّجم والخروج من منى من وقت  الزّوال في اليوم الثاني عشر إلى ما قبل فجر اليوم الثّالث عشر .

جاء في مجمع الأنهر ( 1 / 281 ) : " فَيَرْمِي الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ إلَى الْغُرُوبِ اسْتِحْبَابًا وَإِلَى آخِرِ اللَّيْلِ جَوَازًا .... ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الثَّانِي ثُمَّ إنْ شَاءَ نَفَرَ أَيْ رَجَعَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ وَلَهُ أَيْ لِلْحَاجِّ ذَلِكَ أَيْ النَّفْرُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ "  .
 
أ . د . مشهور فوّاز رئيس المجلس الإسلامي للإفتاء