المجلس الإسلامي للإفتاء-بيت المقدس
الرئيسية
بنك الفتاوى
الأسئلة والأجوبة
سؤال جديد
من نحن
اتصل بنا
داوم على (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فلها سر عجيب في كشف الكرب، ونبأ عظيم في رفع المحن
الأقسام
حديث اليوم
قال الأصمعي : لما حضرت جدي علي بن أصمع الوفاة جمع بنيه ، فقال : « يا بني ، عاشروا الناس معاشرة إن غبتم حنوا إليكم ، وإن متم بكوا عليكم »
فتوى اليوم
حكمة اليوم
عن أبي عبدالله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الحلال بين و الحرام بين , وبينهما مشتبهات قد لا يعلمهن كثير من الناس , فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه , ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه , ألا وأن لكل ملك حمى , ألا وإن حمى الله محارمه , إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله , وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب " رواه البخاري ومسلم .
حكمة اليوم
فيسبوك
تويتر
حكم هدم المشاهد والأضرحة والقباب والقبور
تاريخ: 20/4/15
عدد المشاهدات: 2117
رقم الفتوى: 761

الحمد لله والصّلاة والسّلام على سيدنا محمّد رسول الله ، وبعد :
لا شك أنّ الخير كلّ الخير في الإتباع والشر كلّ الشر في الإبتداع ، فقد ثبت في السنة المطهرة  من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ) أخرجه أبو داود (4067)

وثبت في الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها ، قالت، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718(   وفي رواية : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) أخرجه مسلم (1718) .

ولعلّ أشدّ مظاهر البدعة تبرز فيما نراه في المقابر من بناء للمشاهد والأضرحة وتزويق إلى حدّ المباهاة في بعض الأحيان فضلاّ عمّا في ذلك من التضيق على النّاس واعتداء على الوقف والملك العام الذّي عدّه الفقهاء من قبيل الغصب .

هذا وإنّنا وإن كنّا نحذّر من بدع القبور ومحدثاته إلاّ أنّه بالوقت نفسه نحذّر من التهور بهدمها دون مراعاة شروط وضوابط الفقهاء في ذلك ، فليس كلّ بناء  للقبور محرّم  على الإطلاق كما يتصوره البعض وليس كلّ بناء محرّم يجب أن يبادر بهدمه ، ذلك أنّ للفقهاء في المسألة تقييدات واستثناءات وضوابط لا بدّ من مراعاتها ، وإليك ملخص أقوال الفقهاء في المسألة :
فرّق أهل العلم بين  حكم بناء القبور في الملك الخاص ( أي كأرض خاصة وليست ملك عام ) وبين بناء القبور في الأرض المسبلة ( الموقوفة ) وهي التّي اعتاد النّاس في الدّفن فيها ، حيث قالوا بكراهة بناء القبور والقباب والأضرحة في الملك الخاص إلاّ أنّهم استثنوا من الكراهة قبور الأنبياء  والعلماء والأولياء حيث قالوا بعدم كراهة بنائها في الملك الخاص ، وإلى القول بجواز بناء القبور في الملك الخاص مع الكراهة ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية وكثير من الحنابلة أبرزهم ابن تيمية الجد.  انظر : تحفة المحتاج ، لإبن حجر الهيتمي ، 3\235 ، نهاية المحتاج ، ( 3\38 )، حاشية الجمل على شرح المنهج ( 3\236 ) ، الإنصاف للمرداوي ( 2\550 ) ، انظر : الشرح الصّغير ، للدردير ، 1\572 -573 ) .

واستثنى الشافعية وغيرهم  من كراهة بناء القبر وتجصيصه قبور الأنبياء والعلماء والصّالحين فأجازوها بلا كراهة إن لم تكن في مقبرة وقفية. انظر : ( حاشية الجمل  الشّافعي، 3\236 ، روضة الطّالبين ، للنّووي 6 \ 99 ، حاشية ابن عابدين الحنفي ، 3\169-170 ، حاشية الصّاوي على الشرح الصّغير ، للدردير المالكي ، 1\573 ) .
وأمّا إذا كان البناء أو القبة في مقبرة وقفية وهي التي اعتاد النّاس بالدّفن بها فإنّه محرّم عند جمهور الفقهاء ويجب أن تهدم عند الشّافعية والحنابلة في المختار عندهم إن أمنت المفسدة  ، ولكن لا بدّ من تحقق الشّروط التّالية :

أ. التيقن من وجود هذه الأبنية والقباب بعد الوقف ، فإن كانت قبل الوقف أو جهل الحال فلا تهدم . انظر :  نهاية المحتاج ، للرملي ( 3\39-40 ) ، تحفة المحتاج ، لإبن حجر الهيتمي ، 3\236 ) .

ب. ألا يكون قد حكم حاكم بجوازها ، فإن شُك هل حكم حاكم بجوازه أم لا فلا يهدم ولو عُلم بوجود القبر بعد الوقف .  انظر : ( حاشية الجمل  على شرح المنهج ( 3\236 ) وذلك لأنّ حكم الحاكم يرفع الخلاف كما هو مقرر في القواعد الفقهية وقد ثبت انّ هنالك من خالف من الفقهاء كبعض الحنفية وبعض الحنابلة وفريق من المالكية .

ت. ألاّ يخشى ترتب مفسدة بسبب الهدم ، فإن خشي مفسدة فإنّه يتعيّن الرفع للإمام .  انظر : (تحفة المحتاج ، لإبن حجر ، 3\237 ) .

فإن تحققت هذه الشروط الثلاثة فيجب هدم الأضرحة والمشاهد التي في المقابر المسبلة ( الموقوفة ) عند الشافعية والحنابلة، ولكن في الحقيقة لو نظرنا إلى أرض الواقع لوجدنا أنّ هذه الشروط غير متحققة في الغالب ، وذلك لما يلي :

- إنّ قبور الأولياء والصّالحين والأنبياء عادة لا تكون في مقبرة  موقوفة وإنّما تكون في ملك خاص كأن تكون بجانب المقبرة أو بجانب المسجد ، وعلى فرض وجودها  في مقبرة عامة أو مسجد فأنّى لنا أن نتحقق هل كانت قبل الوقف أم بعده ، فلربما كان القبر قبل أن توقف الأرض ثمّ وقفت الأرض بعد ذلك ، ولربما توسعت المقبرة ثمّ دخل فيها القبر بعد ذلك ، كما حصل مع قبة الإمام الشافعي في مقبرة القرافة بمصر ، ولربما كان القبر ثمّ توسع المسجد ودخل القبر في داخله كما حصل مع الحجرة الشريفة بعد توسعة المسجد النّبوي الشريف ،  ثمّ  على فرض وجود هذه المشاهد والأضرحة للأولياء والصّالحين وغيرهم  بعد أن أوقفت الأرض للدفن فمن أين لنا أن نتحقق هل حكم حاكم بجوازها أم لا ؟

فلا شكّ أن الإجابة على هذه التساؤلات من الصّعوبة بمكانة بل قد يكون ليس بالإمكان في أكثر الأحيان معرفة حقيقة الأمر، والواجب في هذه الحالة كما صرّح الفقهاء حسن الظنّ وعدم الهدم لإحتمال أنّها بنيت في ملكه قبل تسبيل الأرض للدفن واعتبارها وقفاً ، أو لإحتمال إذن الحاكم المسلم بها وهذا أمر يعسر الوقوف عليه لتطاول الزّمان .

- ثمّ على فرض لو تيقنا بوجود هذه القبور بعد أن أوقفت الأرض مقبرة كما هو حال كثير من القبور اليوم في مقابرنا للأسف الشديد ثمّ تيقنا بأنّه لم يأذن بها حاكم نظراً  لغياب الحاكم المسلم ، فهل يجب أن تهدم هذه القبور التّي في المقابر العامة ؟

الجواب : لا ينبغي أن تهدّم بل نحذّر تحذيراً شديداً من الإقدام عليه لأنّه يغلب على الظنّ بل يتيقن وقوع فتنة بين النّاس لا محالة ، والفقهاء قد صرّحوا باشتراط أمن الفتنة والمفسدة بل قالوا إن خشيت المفسدة فلا تهدم ويبقى الأمر متعيناً على الحاكم فقط ، خصوصاً وأنّ هنالك اتجاهاً قوياً لدى المالكية كما في حاشية الخرشي  وهو اتجاه قويّ لدى  الحنابلة  كما في كشّاف القناع  ولدى الحنفية كما في الدّر المختار واللّباب شرح الكتاب بعدم حرمة  البناء ولو كانت المقبرة وقفية ، هذا وإنّنا وإن كنّا لا نقول بقول المالكية ومن وافقهم من الحنابلة  والحنفية  ابتداءً إلاّ أنّنا نقول به انتهاءً سداً للذريعة ودفعاً للمفسدة وعملا  بالقاعدة الفقهية : " يغتفر في الإنتهاء ما لا يغتفر في الإبتداء ".

والمطلوب الآن للحدّ من هذه الظاهرة مستقبلاً من الخطباء والوعاظ والفقهاء والقضاة تحذير النّاس من بناء القبور ورفعها وعدم التعرض للقبور القائمة دفعاً للمفاسد المترتبة على ذلك، إلاّ أنّه يستثنى من هذا التحذير المدن والقرى التي تتعرض مقابرها للمصادرة في داخلنا الفلسطيني حيث صدرت  فتاوى خاصة لأهل تلك المدن والقرى بجواز البناء للحفاظ على المقبرة من المصادرة ولا شكّ أنّ لهذا الإستثناء أصل أصيل لدى عامة الفقهاء وعلى وجه الخصوص الشافعية ، ولكن الضرورة تقدر بقدرها فإن اكتفي بوضع حجارة  صغيرة وعلامة حول القبر فلا يلجأ إلى البناء عليه فإن تعيّن البناء ولم تدفع الضرورة بالتحويط حوله بحجارة جاز البناء لدفع خطر النبش ولحماية قدسية المقبرة .
 


والله تعالى أعلم
المجلس الإسلامي للإفتاء